فصل: مسألة الشريكين في الدار يبيع أحدهما نصيبه ثم يريد الآخر أخذ الشفعة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة الشريكين في الدار يبيع أحدهما نصيبه ثم يريد الآخر أخذ الشفعة:

ومن كتاب الشجرة:
وسئل عن الشريكين في الدار يبيع أحدهما نصيبه فيقيم شريكه شهرا أو شهرين لا يطلب ثم يريد أخذها، قال: ذلك له ما لم يتطاول ذلك، قلت له: أفترى الشهرين قريبا؟ قال: نعم قلت له: أفيحلف أن إقامته ما كانت تركا لذلك، قال: لا أرى عليه في مثل هذا يمينا إلا أن يأتي من ذلك ما يستنكر من تباعد ذلك فأرى أن يحلف.
قال محمد بن رشد: قد مضى تحصيل القول فيها في رسم البز قبل هذا فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.

.مسألة اختلفا في الثمن وحقق كل واحد منهم الدعوى فيه على صاحبه:

من سماع أشهب وابن نافع من مالك رواية سحنون قال سحنون: قال أشهب وابن نافع: سئل مالك عمن ابتاع شركا له في مال قيمته عند الناس عشرون ومائة درهم ثم زعم المشتري أنه ابتاعه بمائتي درهم وزعم البائع ذلك أيضا فأراد الذي له الشفعة أن يحلف البائع أو المبتاع، وزعم أنه إنما أراد أن يقطعا عليه شفعته ولم يأت على ذلك ببينة، قال ذلك في الأثمان مختلف لحاجتهم أما إذا كان المشتري السلطان أو الشريك في المال والجديد فيه أو الجار فإن هؤلاء ربما بالغوا في إعطاء الثمن لحاجتهم إلى ذلك وخفة مؤنته عليهم لقدرة السلطان وخفة الشأن عليه، ولرغبة الجديد فيه والجار في ذلك ولكراهية أن يشاركه أحد فيه أو يجاوره، فإذا كان هذا فلا أرى على أحد يمينا؛ لأن بعض هؤلاء قد يشتري المال لهذا الأمر بأضعاف ثمنه، وأما إذا كان على غير هذا من الأمر الذي وصفت لك واشترى ذلك بما لا يعرف من الثمن فإني أرى على المبتاع اليمين بالله الذي لا إله إلا هو لقد ابتاعه بهذا الثمن ولا أرى على البائع يمينا لأنه لو أبى أن يحلف لم يكن عليه في ذلك شيء، وإنما اليمين على المبتاع إذا لم يكن على ما وصفت لك واشترى من الثمن ما يستنكر ولا يعرف.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة كان الشيوخ يحملونها على أنها خلاف لما في المدونة؛ لأنه قال فيها: القول قول المشتري ولا يمين عليه إلا أن يأتي بما لا يشبه، وقال في المدونة: القول قول المشتري يريد مع يمينه إلا أن يأتي بما لا يشبه فيصدق ويكون القول قول الشفيع، وليس ذلك بصحيح؛ لأن معنى رواية أشهب هذه أن الشفيع لم يحقق الدعوى على المشتري ولا ادعي معرفة الثمن، وإنما أراد أن يحلفه بالتهمة فلم يوجبها عليه إلا في الموضع الذي تظهر فيه التهمة وهو أن يأتي بما لا يشبه من الثمن، وذلك بين من سياقة المسألة، ومعنى ما في المدونة أنهما اختلفا في الثمن وحقق كل واحد منهم الدعوى فيه على صاحبه، فوجب أن يكون القول قول المشتري إذا أتى بما يشبه فإن لم يأت بما يشبه كان القول قول الشفيع إن أتى بما يشبه فإن لم يأت بما يشبه حلفا جميعا على دعواهما، وكانت له الشفعة بالقيمة، وإن نكل أحدهما وحلف الآخر كان القول قول الحالف وإن أتى بما لا يشبه؛ لأن صاحبه قد أمكنه بنكوله من دعواه، ولا اختلاف عندي في هذه المسألة إذا اختلفا في الثمن وحقق كل واحد منهما الدعوى على صاحبه، وأما إذا لم يحقق الشفيع الدعوى على المشتري وأتى المشتري بما يشبه فقيل: إنه لا يمين عليه، وهو قول مالك في هذه الرواية، وقيل: القول قوله مع يمينه إلا أن تكون على ذلك بينة بتعاور البائع مع المشتري على ما ادعاه، وأما إن أتى بما لا يشبه فقيل: القول قوله مع يمينه والشفيع بالخيار إن شاء أخذ بذلك وإن شاء ترك، وهو قول مالك في هذه الرواية، وقول مطرف في الواضحة، وقيل: إن الشفيع بالخيار إن شاء أن يأخذ بالقيمة أخذ لأن المشتري يتهم على تغيب الثمن لقطع الشفعة إلا أن تكون له بينة على مشاهدة السفقة والنقد، فيكون الشفيع مخيرا بين أن يأخذ بذلك أو يترك، وهو قول سحنون، ولا تأثير للبينة في هذا على تعاور البائع مع المشتري على الثمن الذي ادعاه، قاله ابن حبيب في الواضحة، ولا يمتنع عندي أن يكون له شاهد يحلف معه إذا كان عدلا ولم يتهم في شهادته على ما قاله ابن القاسم في أول سماع أبي زيد في مسألة اللؤلؤ؛ إذ لا تهمة عليه في شهادته له، وإنما كان يتهم لو شهد للشفيع على المشتري؛ لأنه يقلل العهدة على نفسه فيما يستحق من الشقص إن استحق منه شيء، وإذا اختلفا المتبايعان في ثمن الشقص فتحالفا وتفاسخا لم يكن للشفيع شفعة، ويشبه أن يكون له الشفعة إذا رضي أن تكون عهدته على البائع؛ لأنه يقر أن الشقص للمشتري، واختلف إن نكل المشتري وحلف البائع فقيل: يأخذ الشفيع إن شاء بالثمن الذي حلف عليه البائع، وقيل: بل يأخذ بالثمن الذي أقر المشتري أنه اشتراه به، ولكلا القولين وجه، والأظهر ألا يكون للشفيع أن يأخذ إلا بالثمن الذي حلف عليه البائع وأخذه، ولا إشكال إذا حلف المشتري ونكل البائع في أنه يأخذ بما حلف عليه المشتري وبالله التوفيق.

.مسألة الشفعة في الأرض وفي كل ما أنبتت الأرض:

وسئل مالك هل في الثمرة شفعة؟ فقيل: أفي رؤوس النخل هي؟ فقيل: نعم، قال فيه الشفعة، وإنما تكون الشفعة في الأرض وفي كل ما أنبتت الأرض، وسئل هل في الزرع شفعة؟ قال: لا إن كان قبل أن يحل بيعه، فهذا لا يصلح، وإن كان بعد أن يبس واستحصد وحل بيعه فلا يصلح أن يقتسماه إلا بكيل ولا تكون الشفعة في مثل هذا وليس هذا مثل الأول.
قال محمد بن رشد: ظاهر قوله في أول هذه المسألة، وإنما تكون الشفعة في الأرض وفي كل ما أنبتت الأرض أن في الزرع الشفعة خلاف ما نص عليه بعد ذلك، وفي المدونة من أنه لا شفعة في الزرع وفي تعليله سقوط الشفعة في الزرع هاهنا وفي المدونة بأن بيعه لا يجوز حتى ييبس فإذا يبس لم يصلح أن يقتسم إلا بالكيل ما يدل على أن الشفعة تجب فيه إذا بيع بعد أن افترك، وقبل أن ييبس على مذهب من يجير ذلك من أهل العلم أو يرى العقد فيه فوتا إذا وقع من أصحابنا أو إذا بيع مع الأصل بعد أن نبت؛ لأنه قد وقع عليه حصته من الثمن، وقد قيل: إن الشفعة فيه إذا بيع مع الأصل قبل أن ينبت لأنه قد وقع عليه حصة من الثمن، وقد قيل: إن الشفعة فيه إذا بيع مع الأصل قبل أن ينبت لأنه قد وقع عليه حصته من الثمن على كل حال لما فيه من البذر الذي قد أخرجه البائع من عنده بخلاف الثمرة إذا بيعت مع الأصل قبل أن تؤبر لأنها إذا لم تؤبر فلم يقع عليها حصة من الثمن فإنما يأخذها الشفيع بالشفعة على مذهب ابن القاسم ما لم تجد من جهة الاستحقاق لا من جهة الشفعة، فاختلاف قول مالك في إيجاب الشفعة في الزرع على أصل قد اختلف فيه قوله اختلافا واحدا وهو ما كان متشبثا بالأصول ومتصلا بها كالثمرة والكراء ورقيق الحائط إذا بيعوا مع الحائط والرحا إذا بيعت مع الأصل والماء، والنقض إذا بيعا دون الأصل فمرة قال مالك: في ذلك كله الشفعة لتعلقه بأصل ما فيه الشفعة، ومرة قال: إن ذلك كالعروض المنفصلة من الأرض فلا شفعة فيها، وفي قوله أيضا: إن الشفعة في كل ما أنبتت الأرض دليل ظاهر من جهة العموم أن الشفعة واجبة في القول، وسيأتي القول على ذلك في آخر سماع أبي زيد إن شاء الله وبه التوفيق.

.مسألة باع شقصا في حائط غائب:

ومن كتاب أوله مسائل بيوع:
وسئل عمن باع شقصا في حائط غائب فقال الشفيع: حتى أذهب فأنظر إلى شفعته وهي ليست معه في القرية، قال: ليس ذلك له فراجعه السائل، فقال: إن كان الحائط على ساعة من نهار فذلك له وإلا فليس ذلك له يخرج فيقيم أيضا عشرة أيام ثم يجيء.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في كتاب ابن المواز وظاهر ما في المدونة من أن الشفيع إنما يؤخر في النقد لا في الارتياء في الأخذ، وهو مثل ما في هذا السماع من كتاب الإيلاء في المولى يوقف أنه ليس له في ذلك أجل يترك إليه لينظر، وإنما هو في مجلسه ذلك، ومثل ما في كتاب النكاح الثالث من المدونة في الزوجين المجوسيين يسلم الزوج فيعرض عليها الإسلام أنه يفرق بينها إن لم تسلم ولا تؤخر، بخلاف إذا غفل عن عرض الإسلام عليها ومثله المملكة يوقفها السلطان أنها لا تؤخر لتستشير وتنظر وهو عذر للشفيع يغيب عنه الحائط وإن كان لم يره أو كان قد رآه وطال عهده به وصف كما توصف الأرض والدار الغائبة، وقد قال ابن عبد الحكم في المختصر: يؤخر الإمام اليومين والثلاثة يستشير وينظر، قاله والله أعلم قياسا على استتابة المرتد وعلى حديث المصراة، ولا يبعد دخول هذا الاختلاف في هذه المسائل كلها لقرب معانيها، والأصل في الثلاثة الأيام في هذه المعاني قول الله عز وجل: {فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود: 65] ومنه أخذ القضاة التلوم ثلاثة أيام بعد الآجال ومنه استظهار الحائض بثلاثة أيام وبالله التوفيق.

.مسألة الدار تكون بين الرجلين فيبيع أحدهما نصيبه وشريكه مفلس:

قال: وسئل عن الدار تكون بين الرجلين فيبيع أحدهما نصيبه وشريكه مفلس فيقول له رجل من الناس: خذ بالشفعة وأنا أربحك كذا وكذا فأخذ بالشفعة فيسلم إليه الشفعة فيعطيه الذي أربحه فيظهر بعد على أنه أخذها لغيره ويقر بذلك ويقول: لم يكن لي شيء وقال لي هذا الرجل: خذه ولك كذا كذا، فقال مالك: أما أصل البيع فلا يجوز، ولكن من أين يعلم هذا أنه قال له ذلك؟ فقيل له: يقر بذلك صاحب الشفعة، فقال: ليس إقراره بشيء ولكن لو ثبت ببينة أو أمر ثابت رأيت أن يرد في رأي المشتري لأنة إنما أخذ الشفعة لغيره ولكن كيف يعلم هذا وإذا علم رد.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إنه ليس للشفيع أن يأخذ بالشفعة لغيره؛ لأن الحق إنما هو له لدفع الضرر عن نفسه، قيل: ضرر الاشتراك وقيل: ضرر القسمة، وكذلك ليس له أن يأخذ بالبيع، وقد قالوا في المديان: إن له أن يأخذ بالشفعة فيباع لغرمائه، وفي ذلك نظر؛ لأنه إنما يأخذ للبيع وقد استحسن أشهب ألا يكون ذلك، وأما المريض فإنه يأخذ بالشفعة ولا اعتراض في ذلك، وإن كان أخذه في هذه الحال إنما هو لورثته لأنه إن لم يأخذ ذلك في مرضه كان لهم أن يأخذوه لأنفسهم بعد موته وبالله التوفيق.

.مسألة يوصي في حائط له لقوم بثلثه أو بسهم منه معلوم أو أجر معلوم فيبيع بعضهم:

قلت لمالك: أرأيت الذي يوصي في حائط له لقوم بثلثه أو بسهم منه معلوم أو أجر معلوم فيبيع بعضهم؟ فقال: إذا باع بعضهم فشركاؤه في ذلك الثلث أو ذلك السهم أحق بالشفعة فيما باع شريكهم فيه ثمن أهل الحائط.
قال محمد بن رشد: قول مالك هذا في رواية أشهب عنه أن الموصى لهم أهل سهم واحد مثله في كتاب ابن المواز وحكاه عن أشهب وابن عبد الحكم وحكاه الفضل عن عيسى بن دينار وابن القاسم بجعلهم كالعصبة فيرى للورثة الدخول معهم، وعلى هذا الاختلاف يختلف في الموصى له بجزء يطرأ على الورثة فقيل: إنه بمنزلة طرو الغريم على الورثة، وإلى هذا ذهب ابن حبيب وهو على قياس قول ابن القاسم، وقيل: إنه بمنزلة طرو الوارث على الورثة، وهو مذهب ابن القاسم، وذلك يرد قوله أن الموصى لهم ليسوا بأهل سهم وبالله التوفيق.

.مسألة العصبة يرثون ما بقي من المال أيكونون أحق بالشفعة بينهم:

قلت: أرأيت العصبة يرثون ما بقي من المال أيكونون أحق بالشفعة بينهم؟ فقال: لا.
قال محمد بن رشد: قد روي عن مالك في العصبة أنهم أهل سهم وهو بعيد لم يأخذ به ابن القاسم ورآه خطأ وبالله التوفيق.

.مسألة يأتي إليه فيقول له إني ابتعت أرضا لفلان فهل تريد الأخذ بالشفعة:

وسئل عمن ابتاع من رجل شقصا له في أرض ثم يأتي إلى الشفيع فيقول له: إني ابتعت أرضا لفلان فإن كان لك بالشفعة حاجة فخذها، فيقول: بكم ابتعتها؟ فيقول: بألف دينار فيقول الشفيع: ليس هذا ثمنها ولقد اشتريتها بأقل من هذا فاحلف لي لقد اشتريتها بهذا الثمن على منبر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: ذلك يختلف، أما في الثمن الكثير المتفاوت إذا علم أنه ليس ثمنها فإن على المشتري أن يحلف لقد اشتريتها بذلك، ولا أرى على البائع يمينا، والمشتري هو الذي له الأرض والذي يؤخذ منه بالشفعة، فأرى عليه اليمين على منبر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنما يكون ذلك عليه واجبا إذا جاء بما لا يشبه ثمن الأرض.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام فيها مستوفى في أول السماع فلا معنى لإعادته وبالله تعالى التوفيق.

.مسألة يشتري البقعة فيبني فيها ويعمر فيأتي من يستحقها بشفعة:

قال: وسئل عن الذي يشتري البقعة فيبني فيها ويعمر فيأتي من يستحقها بشفعة فيقول الثاني: أعطني ما أنفقت، فقال: ليس إلا قيمة ما بنى يوم يأخذ الرجل بالشفعة بنى بنيانها فانهدم أو فسده المطر أو مال أو انكسر أو خرب.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في سماع أشهب من كتاب الاستحقاق فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.

.مسألة له أرض مشتركة مع قوم فأفلس وعليه دين فبيعت الأرض فيه:

ومن كتاب البيوع الأولى:
وسئل عن رجل كانت له أرض مشتركة مع قوم فأفلس وعليه دين فبيعت الأرض فيه يريد بأمر السلطان هل فيها شفعة؟ قال: نعم، وليس السلطان يقطع الشفعة.
قال محمد بن رشد: أشهب يستحسن ألا يكون في هذا شفعة، وقد مضى القول على هذا في الرسم الذي قبل هذا والله الموفق.

.مسألة الثمرة هل فيها شفعة:

من سماع عيسى من ابن القاسم من كتاب أوصى أن ينفق على أمهات أولاده قال عيسى: سألت ابن القاسم عن الثمرة هل فيها شفعة؟ قال: نعم قلت: فإن أصابت الثمرة جائحة هل يرجع آخذ الشفعة على بائع الثمرة بشيء؟ قال: نعم، قلت: فعلى من يرجع أعلى شريكه الذي باع منه أو على آخذ الشفعة من يديه؟ قال: على الذي أخذها من يديه، قال عيسى: ويرجع المشتري على البائع.
قال محمد بن رشد: قوله في الثمرة: إن فيها الشفعة يريد ما لم تيبس فهو نص قوله في المدونة ودليل قوله هاهنا إذا قال: إن الجائحة فيها إذ لو كان من مذهبه أن الشفعة فيها وإن يبست ما لم تجد ما أطلق القول بوجوب الجائحة فيها، ولقال: إن الجائحة تجب فيها إذا استشفعها قبل أن تيبس وقد قال ابن القاسم: إن فيها الشفعة وإن يبست ما لم تجد إذا اشتراها مع الأصول بعد الطياب، ولا فرق بين المسألتين فهو اختلاف من قوله مرة رأى في الثمرة الشفعة ما لم تيبس، ومرة رآها فيها ما لم تجد وقوله عندي ما لم تجد أو ما لم يزبب على ما قاله في المدونة معناه ما لم تبلغ حد جدادها للتيبيس أو التزبيب إذ لا تيبس الثمرة في أصولها حتى تجد منها، فالمعنى على ذلك في هذا القول أن الشفعة فيها ما لم يجد جدادها للتيبس إن كانت مما ييبس أو للأكل خضراء إن كانت مما لا ييبس وكذلك قال ابن كنانة في المدنية أن الشفعة في الثمرة ما لم تيبس، وقوله الثاني: إن الشفعة فيها وإن حان جدادها ما لم تجد.
وقوله في الرواية: إن الجائحة فيها صحيح على المشهور في المذهب من أن الأخذ بالشفعة ينزل منزلة البيع فيما يختص به من الأحكام ويأتي على مذهب من ينزله في ذلك منزلة الاستحقاق أن جائحة فيها.
وأما قوله: إنه يرجع بالجائحة في الثمرة على المشتري الذي أخذها من يديه فهو صحيح على المنصوص في أن عهدته عليه، وقد وقع في كتاب الشفعة من المدونة ما يدل على أنه مخير في كتاب عهدته على من شاء منهما، وهو بعيد في النظر لا يحمله القياس؛ لأن الشفعة لا تخلو من أن يحكم لها بحكم البيع أو بحكم الاستحقاق، فإن حكم لها بحكم البيع وهو الأظهر كانت العهدة على المشتري، والرجوع بالجائحة عليه، وهو مذهب ابن أبي ليلى، وقال أبو حنيفة: إن أخذ الشفيع الشقص من يد البائع فالعهدة عليه وإن أخذه من يد المبتاع فالعهدة عليه، وقول مالك أظهر الأقوال؛ لأن البيع لم ينفسخ فيما بين البائع والمشتري، فالحق إنما هو واجب للشفيع على المشتري بإيجاب النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ ذلك له عليه، ووجه قول ابن أبي ليلى أن الأخذ بالشفعة استحقاق فينتقض البيع ويأخذ الشقص من البائع بما باع به. فيدفع الثمن إليه إن كان لم يقبضه من المشتري، وإن كان قد قبضه منه دفعه إلى المشتري؛ لأن الواجب أن يرد إليه إذا انتقض البيع، ووجه ما وقع في كتاب الشفعة من الدليل على أن الشفيع مخير في كتاب عهدته على من شاء منهما أنه بالخيار بين أن يجيز البيع فتكون عهدته على المشتري على حكم البيع وبين أن ينقض البيع فتكون عهدته على البائع على حكم الاستحقاق، وقول عيسى بن دينار: إن المشتري يرجع على البائع بما يرجع به الشفيع عليه من الجائحة صحيح مفسر لقول ابن القاسم؛ لأنه حق لكل واحد منهما على صاحبه ولو وجد الشفيع المشتري عديما لكان من حقه أن يرجع على البائع لأنه غريم غريمه وبالله التوفيق.

.مسألة له شريك في أرض مبهمة فيغيب عنه فيبيع شريكه سهمه:

ومن كتاب أسلم وله بنون صغار:
وسئل عن الرجل يكون له شريك في أرض مبهمة فيغيب عنه فيبيع شريكه سهمه ثم يبيع الشريك الغائب وهو لا يعلم ببيع صاحبه هل يكون له أن يأخذ بالشفعة؟ قال: ذلك له ويكتب عهدته على الذي يعطيه الدنانير ويأخذها من يديه.
قال محمد بن رشد: قوله في أرض مبهمة يريد غير معينة ولا محوزة إلا أنها معروفة بالتسمية قد رآها المشتري أو وصفت له إذ لو كانت غير معينة ولا محوزة ولا معروفة بالتسمية لما جاز بيعها ولا بيع جزء منها وفي قوله: وهو لا يعلم ببيع صاحبه دليل على أنه لو علم ببيع صاحبه لم تكن له شفعة وإن كان دليلا فيه ضعف إذ لم يقع ذلك في الجواب وإنما وقع في السؤال فالمعنى يؤيده لأنه إذا باع حقه بعد أن علم ببيع شريكه حظه فقد رغب عن المبيع، وأما إذا باع حقه قبل أن يعلم ببيع شريكه حظه فمن حجته أن يقول: إنما بعت حظي لزهادتي فيه لقلته، ولو علمت أن شريكي باع لما بعت حظي ولأخذت بالشفعة، وهذا بين، ففي المسألة ثلاثة أقوال أحدها هذا والثاني أن له الشفعة وإن باع حظه بعد أن علم ببيع شريكه حظه وهو قول ابن القاسم في رواية يحيى عنه بعد هذا في رسم الصبرة وأحد قولي مالك والثالث أنه لا شفعة له إذا باع حظه وإن لن يعلم ببيع شريكه وهو أحد قولي مالك وظاهر ما في كتاب الشفعة من المدونة لابن القاسم لأنه قال فيه فيمن باع شقصا بخيار ثم باع صاحبه بيع بت أن الشفعة للمشتري بالخيار على مشتري البت إن اختار إمضاء الشراء، ووجه قوله أن بيع الخيار إذا أمضى فكأنه لم يزل ماضيا لمشتريه من يوم عقده وصار ملكا له بالشراء قبل بيع البتل، فلم يبع بائع البتل سهمه على هذا التعليل إلا بعد وجوب الشفعة له فيما بيع بالخيار، فلو كان من مذهبه أن يبيع الشفيع سهمه بعد وجوب الشفعة لا تسقط شفعته لأوجب لبائع البتل الشفعة على مشتري الخيار ولما كان لمشتري الخيار شفعة على مشتري البت حتى يعرض الشفعة على بائع البت فيتركها على ما روى يحيى عن ابن القاسم في رسم الصبرة بعد هذا أن الشفعة للبائع الثاني فيما باع الأول حتى يترك البائع الثاني فيجب للمشتري من البائع الأول على المشتري من البائع الثاني. فإن باع بعض حظه على قياس هذا القول كان له من الشفعة بقدر ما بقي من حظه وقع اختلاف قول مالك في هذا في كتاب ابن عبدوس حكى عن أشهب أنه قال: اختلف قول مالك فيه، فمرة قال: إن الشفعة لا تسقط عنه ببيع نصيبه، ومرة قال: إنما تجب له الشفعة ما كان الشقص الذي به يستشفع في يديه، فإذا زال من يديه قبل الآخر سقطت شفعته، وقال أشهب: أحب إلي ألا شفعة له بعد بيع نصيبه أو بعضه؛ لأنه إنما باع راغبا في البيع، وإنما الشفعة للضرر، فلم ير له شفعة في ظاهر قوله أصلا إذا باع بعض نصيبه، فهو قول رابع في المسألة، وقال أحمد بن ميسر: لا شفعة له بعد أن باع إلا أن تبقى له بقية أخرى وقوله: إلا أن تبقى له بقية أخرى فيكون له من الشفعة بقدر ما بقي، فيكون قوله مثل أحد قولي مالك وظاهر ما في المدونة، ويحتمل أن يريد إلا أن تبقى له بقية أخرى فيأخذ جميع شفعته بقدر حظه كله ما باع منه وما بقي فيكون ذلك قولا خامسا في المسألة، وأظهر هذه الأقوال كلها الفرق بين أن يبيع وهو عالم ببيع شريكه حظه أو غير علم وبالله التوفيق.

.مسألة تصدق بحظه في قرية مبهمة على أخت له:

ومن كتاب شهد على شهادة ميت:
وسئل عن رجل تصدق بحظه في قرية مبهمة على أخت له وقال: إني قد كنت أصبت من مورثها مالا فسهمي عليها صدقة لما أصبت من مالها ولا يعلم ما أصاب من مالها فأراد الشركاء الأخذ بالشفعة ألهم ذلك؟ أم هل يجوز قوله: إني أخذت من مالها أو تجوز لها الصدقة بما أخذ من مالها فيما يزعم على غير حوز حتى هلك؟ قال ابن القاسم: ذلك لها ولا أرى لأحد فيها شفعة لأن أصل الثمن لا يعرف؛ لأن مالكا قال: لنا ما طال من الشفعة حتى نسي ثمنه ولم ير أن صاحبه أخفى ذلك لقطع الشفعة فلا شفعة له فيه إذا أتى من يطلبه ولا حوز عليها في ذلك الحظ؛ لأن ذلك الحظ إنما صار لها على وجه اشتراء، فلا حوز فيه، وسئل سحنون عن رجل تصدق بحظ في قرية مبهمة على أخت له وقال: إني قد كنت أصبت من مورثها مالا فسهمي عليها صدقة لما أصبت من مالها ولا يعلم ما أصاب من مالها فأراد الشفعاء الأخذ بالشفعة ألهم ذلك؟ فقال: الصدقة لها ولا أرى لأحد فيها شفعة لأنه ليس بيعا ولا مطالبة إنما هو تمنح من شيء لا يطلبه المقر له ولا يعرفه، فلو كان عن طلب من المقر له أو تدع فصالح عنه أنزل منزلة البائع وأخذ الشفعة بالقيمة إذا لم يسم الذي أصابه من مورثها.
قال محمد بن رشد: اتفق ابن القاسم وسحنون على الجواب في هذه المسألة بإسقاط الشفعة فيها واختلفا في التعليل أما ابن القاسم فرآه بيعا جهل فيه الثمن فأسقط الشفعة من أجل الجهل بالثمن لأنه أشبه عنده بأهل من أمر الشفعة حتى نسي الثمن ولم ير على الأخت في الحظ حيازة؛ لأنه إنما صار لها على وجه البيع عنده، لا على وجه الصدقة، وأما سحنون فرآها صدقة لا تصح لها إن مات إلا بالحيازة؛ لأنه إنما أعطاها الحظ على وجه المتمنح من شيء لا يعرفه ولا يطلبه، فأبطل الشفعة فيه من أجل أن الصدقة لا شفعة فيها عنده على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، فعلى تعليله بأنها صدقة يجب فيها الشفعة بالقيمة على مذهب من يرى في الهبة والصدقة الشفعة بالقيمة، والقولان في مختصر ابن عبد الحكم، وقول سحنون أن ذلك هبة أظنه والله أعلم.

.مسألة يهب الشقص في شيء مشاع على الثواب ثم يطلب الثواب:

ومن كتاب الجواب:
وسألته عن الرجل يهب الشقص في شيء مشاع على الثواب ثم يطلب الثواب فيقول الموهوب له: مالي غائب أو غلامي بمالي أو شيء مما يعتذر به ولكن هذه عشرة دنانير فخذها ما دام مالي غائبا، فإذا قدم مالي أتيتك بثواب ترضاه إن شاء الله، فيأخذه فيقيم الشفيع عند ذلك فيريد أن يأخذ بالشفعة كيف الأمر في ذلك؟ قال ابن القاسم: ليس له شفعة في هذا حتى يثاب تمام الثواب، وإن قال الشفيع أنا آخذ الشفعة وادفع العشرة فإذا أتابه التمام دفعته إليه لم يكن ذلك له ولم يكن له شفعة لأن هذا لو كان بيعا يبتدأ على هذا الوجه والفعل والصفة ما حل، والأخذ بالشفعة بيع من البيوع، فليس ذلك له ولا يجوز هذا، ولأنه أيضا إن لم يشبه رضاه، رد الهبة ورجع في عشرته ولم يلزمه تمام المثوبة به ولا قيمة الهبة بمنزلة الذي يفوض إليه في النكاح فيقدم شيئا لا يكون صداق مثلها أو يبعث بها فيطلبون بعد ذلك تمام ذلك ولم يكونوا رضوا بما بعث به، فالزوج بالخيار في أن يتم له صداق مثلها أو يرد النكاح ويرجع بما كان بعث ولا يلزمه أن يتم لها الصداق لما قدم قبل ذلك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة على معنى ما في المدونة وغيرها من أن من وهب شقصا بما فيه الشفعة على ثواب يرجوه ولم يسمه فليس للشفيع فيه شفعة إلا بعد العوض، فإن أثابه أقل من القيمة فرضي لذلك أخذ الشفيع به، وإن أثابه أكثر من القيمة قبل تغير السلعة لم لكن للشفيع أن يأخذ إلا بجميع العوض، واختلف إن أثابه أكثر من القيمة بعد تغير السلعة فقال ابن القاسم في المدونة: ليس للشفيع أن يأخذ إلا بجميع العوض وهو قول ابن الماجشون، وقال أشهب في كتاب ابن المواز يأخذ الشفيع بالأقل من قيمة الشقص أو مما أثابه، وفي قوله ولأنه أيضا إن لم يثبه رضاه رد الهبة ورجع في عشرته دليل على أنه لا يلزمه الرضى بالقيمة إلا بعد فواتها، وهو قول مطرف وروايته عن مالك وظاهر قول عمر بن الخطاب خلاف مذهب ابن القاسم في المدونة أنه يلزمه الرضى بالقيمة وإن لم تفت، والذي في المدونة أصح؛ لأن الهبة للثواب مقيسة على نكاح التفويض فكما يلزم الزوجة صداق المثل إذا فرضه لها الزوج وإن لم يدخل بها فكذلك يلزم الواهب القيمة إذا أثابه بها، وإن لم تفت السلعة، ولم أعلمهم اختلفوا في أن الموهوب له لا يلزمه قيمة السلعة ما كانت قائمة ولا أقل منها إن رضي بذلك الواهب كما لا يلزم الزوج في نكاح التفويض صداق المثل قبل الدخول ولا أقل منه وإن رضيت بذلك المرأة، وإنما اختلفوا في نكاح التحكيم إذا كانت الزوجة هي المحكمة فقيل: إن الصداق لا يلزم قبل الدخول بقليل ولا كثير إلا مع اتفاقهما جميعا، وقيل: إنه يلزم الزوجة صداق المثل فأكثر إذا رضي به الزوج ولا يلزم الزوج صداق المثل فأقل إن رضيت به المرأة ولا يلزم المرأة صداق مثلها فأكثر إن رضي به الزوج، فقوله: إن الموهوب له إذا قدم بعض الثواب لا يلزمه تمامه وله أن يسترد ما قدم يريد إن لم ترض به منه وطلبت منه زيادة عليه كالمفوض إليه في النكاح إذا قدم شيئا من صداق مثلها فطلبوه ببقيته كان بالخيار بين أن يسترد ما قدم منه أو يتم بقيته وما وقع في رسم القطعان من سماع عيسى من كتاب النكاح ليس بخلاف لما هاهنا؛ لأنه إنما وجب عليه هناك نصف صداق مثلها إذا طلقها لقوله: فإن لها صداق مثلها، ولو قدم في نكاح التفويض شيئا من صداقها ولم يقل فإن لها صداق مثلها فطلقها قبل الدخول لكان لها نصف ما قدم إليها وبالله التوفيق.

.مسألة باع الرجل شقصا له في دار بدين إلى أجل ثم أتى الشفيع:

ومن كتاب إن أمكنتني من حلق رأسك:
وقال: إذا باع الرجل شقصا له في دار بدين إلى أجل ثم أتى الشفيع فإنه يأخذه إلى ذلك الأجل إذا أتى بحميل ثقة، وإن كان مليا أخذه بغير حميل.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة وفي الواضحة عن مالك من رواية مطرف عنه، وعن ابن الماجشون وأصبغ، وظاهره أنه لا يلزمه الحميل إلا إذا كان معدما، وأما إن كان مليا فلا يلزمه حميل وإن كان المشتري أملأ منه وهو نص قول محمد بن المواز من رأيه خلاف قول أشهب أنه يلزمه، وإن كان مليا أن يأتي بحميل مثل المشتري في الملا، وكذلك اختلف إذا اشترى برهن وحميل فقيل: لا شفعة للشفيع إلا أن يأتي برهن وحميل وقيل: لا يلزمه ذلك إلا أن يكون أعسر منه فيفترق استواؤهما في العدم من استوائهما في الملا ويكون الشفيع أقل ملا من كونه أشد عدما؛ لأنهما إذا استويا في العدم لزمه حميل على اختلاف، وإذا استوايا في الملا لم يلزمه حميل باتفاق، وإن كان الشفيع أقل ملا لزمه حميل على اختلاف، وإن كان أشد عدما لزمه حميل باتفاق، وإذا عجز الشفيع عن الحميل في الموضع الذي يلزمه فيه الحميل فعجزه السلطان ثم قدر على حميل قبل محل الأجل لم تكن له شفعة، واختلف إذا لم يقم الشفيع بشفعته حتى حل الأجل فقيل: إنه يكون له من الأجل مستأنفا مثل الذي عقد عليه البيع، وقيل: لا يأخذه إلا بالثمن نقدا وهو قول أصبغ، والأول قول مالك في رواية مطرف عنه، وقول ابن الماجشون وهو أظهر والله أعلم.